شخصيات غيرت مجرى التاريخ

كارل ماركس أب الشيوعية | القصة الحزينة

ولد كارل ماركس في “ترير” بألمانيا في 5 من مايو سنة 1818م ، من عائلة يهودية ميسورة الحال حيث كان ماركس هو الابن الثاني من بين تسعة أبناء ، وقد اعتنق والده البروتستانتية قبل ولادته بسنتين نظرا لرفض الحكومة البروسية (ألمانيا حاليا) موظفين يهود ، عمل والده كمحامي وتحولت أمه هي الأخرى إلى البروتستانتية بعد وفات والدها سنة 1825م ، تلقى ماركس تعليمه الجامعي الأول في “بون” لدراسة القانون عام 1833م وهو في سن 19 عاما ، لكنه كان رافضا لفكرة أبيه الذي أراد منه أن يصبح محاميا مثله ، لذلك انتقل إلى برلين سنة 1834م وهناك اهتم بالفلسفة ليتخصص في مجال الفلسفة سنة 1836م في جامعة “فريدريش فيلهلم” ، وتخرج بشاهدة الدكتورة سنة 1841م تحت تخصص الفلسفة من جامعة “ينا” ، عرف ماركس بحيويته ونشاطه فقد كان لا ينام سوى أبعة سعات فقط في اليوم .

بدايات ماركس

تغيرت حياة ماركس بعد نشره لمقالات حامية وثورية ضد الدين والدولة كما سخر من القيصر الروسي في مجلة “الراين” ، وهذا ما جعل الحكومة الألمانية تحس بالخوف من أفكاره وكذلك الضغط الذي مارسه قيصر روسيا على الملك البروسي ، وبهذا قام الملك بإصدار قرار يقتضي اغلاق الصحيفة ومنعها من النشر ، وبسبب ذلك انتقل ماركس إلى باريس أرض الحرية والثورة في ذلك الوقت ، وهناك اكتسب فكره الشيوعي الناقد لسيطرة البرجوازيين على سوق العمل ، وقام بانشاء جريدة هناك وبدأ عمله من جديد في أفكاره الثورية ، وهنا التق صديقه “فريدريك انكلز” والذي كان متوافقا مع فكر ماركس ، لذلك قرر العمل معا ، بتعاونهما هذا استطاعا ابراز النظرية الشيوعية الرافضة لسيطرة البرجوازية على حساب العمال الذين يقومون بمجهود أكبر .

 ليطرد ماركس من فرنسا هي الأخرى بعد انتقاده للملك البروسي ، والذي ضغط هو الأخر على الحكومة الفرنسية لتقوم بطرده من البلاد، لينتقل إلى بلجيكا بعدما وعد ملكها بعدم انتقاده لأي ملك أو رئيس ، وهناك أصدر كتابه “افلاس الفلسفة” ، وبعد ذلك أصدر مع صديقه فريدريك بيان الشيوعية ، وبسبب ذلك أجبر على مغادرة “بروكسيل” منتقلا إلى “كلونيا” وهناك اتهم بالتحريض على التمرد العسكري ، لكنه حصل على البراءة بعد محاكمة في القضاء البروسي ، وعاد إلى فرنسا في سنة 1849م بعد سيطرة الحكومة الثورية العمالية على السلطة ، ثم انتقل بعد ذلك إلى بريطانيا وهناك قضى ما بقي له من عمره . وفي تلك الفترة أبدع ماركس بكتاباته التي أثرت على العالم بعد وفاته ، وكان معيله حينها هو صديقه فريدريك انكلز .

الزواج كارل ماركس

تزوج كارل ماركس من حبيبته جيني فون وستفالين سنة 1843م ، والتي كانت تكبره بأربع سنوات . ربطتهم علاقة حب منذ سنة 1836م ، وقد أنجبت مع زوجها كارل ماركس 7 أبناء ، مات ثلاثة منهم وهم في سن مبكر بسبب المرض والفقر ، رغم أن ماركس وزوجته كانوا ينتمون من عائلات أرستقراطية ، وذلك بسبب مبادئهم وقراراتهم القوية والصادقة في الحياة .

أفكار كارل ماركس

تأثر ماركس في بداية حياته بالفلسفة الهيغلية ، لكنه ما لبث حتى تأثر بالفلسفة المادية الرافضة لفكرة الاله ، وبعد انتقاله لباريس اعتنق الفكر الاشتراكي الرافض للرأسمالية ، ومن هنا بدأ ماركس رحلته في الفكر الشيوعي الذي أحدث ثورة عالمية ، فبعد مرور مئة سنة من وفاته فاق عدد الأشخاص المؤمنين بنظريته المليارين ، وهذا ما يعد سابقة لا مثيل لها في التاريخ ، فقد تنبأ كارل ماركس أن المجتمعات الصناعية الرأسمالية ستزداد فقرا على حساب البرجوازيين ، وهذا ما حدث في العديد من البلدان ، كما تنبأ بكون الطبقة المتوسطة في المجتمعات الرأسمالية ستذوب إلى أن تصبح من الطبقة الفقيرة ، وهذا ما حدث أيضا في العديد من البلدان الأفريقية والأسيوية وفي أمريكا الجنوبية . كما كان ماركس رافضا للاحتكار الذي كان يسود في الكثير من البلدان وخاصة روسيا ، والتي ستشهد فيما بعد ثورة بلشفية شيوعية .

نص ماركس على وجوب أخذ الراتب على حسب كمية وحجم العمل الذي قمت به ، وليس كالشائع استغلال الرأسماليين للعمال بأجور بخسة وبأبشع الوسائل وفي النهاية يكون ربح رب العمل كبير جدا ، بالمقارنة مع ما سيربحه العامل من عمله الذي أمضى فيه الكثير من الوقت والجهد ، فالعامل يربح القليل من العمل الذي يقوم به ، والفائض المتبقي يذهب إلى جيوب الرأسماليين رغم أنهم في الواقع لا يعملون على الاطلاق ، وهنا عبر ماركس عن الأمر بصراع الطبقات الذي يدور بين “الكادحين” البروليتاريا وهم العمال ، والبرجوازيين وهم أصحاب المصانع والورشات والضيعات ، والحل لتجاوز هذه المعضلة على حسب ماركس هي الثورة الشيوعية بالتمرد على الحكومات الرأسمالية ، والتمرد أيضا على الحكومات الدينية الرجعية . وقد نص ماركس أن الاشتراكية سوف تنتقل بشكل تلقائي إلى الدول الرأسمالية ، وهذا ما حدث بالضبط في الدول الأوروبية ، لكن نظريته حول الانتقال من الاشتراكية للشيوعية فشلت فشلا ذريعا .

معنى الشيوعية والفرق بينها وبين الاشتراكية

 فالشيوعية بوجه دقيق هي التخلي عن المال بشكل كلي ، مقابل تداول الخدمات بين المواطنين ، وتقسيم الموارد على حسب الحاجة ، أما الاشتراكية فهي امتلاك الدولة جل القطاعات الاقتصادية ، حيث يتم اقتسامها على الشعب بشكل منتظم على حسب العمل الذي يقوم به كل شخص . وهناك خدمات أساسية توفرها الدول بشكل مجاني للجميع ، كالتعليم والصحة والنقل … . وبشكل دقيق فلم تستطع أي دولة الوصول إلى الشيوعية ، فجميع الدول بقية اشتراكية فحتى الاتحاد السوفياتي والصين كانوا جمهوريات اشتراكية لا شيوعية .

وقد رأى ماركس أن الاشتراكية هي المدخل الأول والطبيعي للتحول نحو الشيوعية ، لكن هذا لم يحدث فظلت الدول اشتراكية دون القدرة على الوصول إلى الشيوعية ، لكن الاشتراكية التي نص عليها ماركس توسعت وانشرت حول العالم ، فتجد اليوم الكثير من الأحزاب الاشتراكية داخل دول تعتمد على النظام الرأسمالي ، فقد كان له الفضل الكبير حول انتشار الاشتراكية في العالم .

الانتقادات التي تعرض لها ماركس

الكثير من الأشخاص يوكلون ما كان يقوم به الاتحاد السوفياتي إلى ماركس وخاصة ستالين ، لكن ماركس بريء إلى حد ما مما كان يقوم به الاتحاد السوفياتي ، فماركس لم يفرض الدكتاتورية والقتل العشوائي الذي كان يقوم به الاتحاد السوفياتي وأيضا الصين ، كما أن ماركس ليس اله حتى تكون كل نظرياته صحيحة 100% ، فالكثير من الأمور التي قدمها ماركس كانت بمثابة هدية كبيرة للبشرية ، كرفضه للسيطرة التي كان يقوم بها الرأسماليين المتوحشين الذين كانوا يستغلون العمال أبشع استغلال من الناحية البدنية والنفسية والفكرية أيضا ، فالعمال لم تكن لهم الاستطاعة لتدريس أبنائهم ، كما لم تكن لهم استطاعة لكي يذهبوا إلى المستشفيات ، كما أن أجورهم كانت دنيئة وساعات العمل كانت كثيرة ، وهذا ما دافع عنه ماركس بشراسة .

 فقد تنبأ ماركس بأن الدول الصناعية سوف تسقط هي الأولى في يد الشيوعيين الرافضين الاحتكار ، لكن العكس ما حدث فالدول المتخلفة نسبيا هي التي ظهرت فيها الشيوعية ، وقد كانت تعاني هذه الدول الشيوعية من بعض المشاكل كالمزارع الشعبية التي أدت في الكثير من الأحيان إلى ظهور مجاعات كارثية ، بسبب المسؤولين الفاسدين ، كما أن الدول الشيوعية افتقرت للحرية الشخصية وحقوق الانسان وحرية التعبير ، كما لا توجد تعددية فكرية ولا تعددية حزبية ، ولكي لا ننسى فالرأسمالية هي الأخرى غير بريئة من هذا النظام  ، فالشخص الذي يملك المال يملك حظوظا أكبر في الحصول على هذه الحقوق ؛ وقد فشلت الشيوعية هي الأخرى في قتل الطبقات حيث تمتع الحكام والنخبة بامتيازات عديدة ؛ كما فشلت العديد من الأفكار الأخرى المرتبطة بماركس ، وهذا بالطبع ليس عيبا فماركس سوف يبقى فيلسوفا عظيما .

معاناة ماركس ووفاته

عانى ماركس من فقر مدقع بعد انتقاله إلى لندن ، وقد توفي ثلاثة من أبنائه بسبب المرض وعدم قدرته على اعالتهم ماديا وشراء الأدوية لهم ، كما كان المقرضين لا يغادرون باب بيته ، بالاضافة إلى كونه لم يكن قادرا على شراء اللحم ولا الاحتياجات الأساسية . وقد عاش ماركس هو وعائلته في حي المهاجرين بلندن بدون جنسية أو اقامة ، وكان معيله الوحيد هو صديقه فريدريك انكلز ، ورغم أنه لم يكن يملك قرشا واحدا كتب ماركس كتاب “رأس المال” وهو واقف نظرا لعدم قدرته على الجلوس بسبب مرضه وألمه في الكبد . كما شهد ماركس موت زوجته وحبيبته سنة 1881م بسبب مرض السرطان في الكبد .

وقد توفي كارل ماركس الفيلسوف العظيم والرجل المبدئي في 14 من مارس سنة 1883م عن عمر يناهز 61 عاما ، بعدما ضحى بنفسه من أجل الطبقة الكادحة . عاش ماركس مطرودا من كل الدول التي يقيم فيها ، مقدما للبشرية العديد من التناقضات التي تعاني منها الرأسمالية ، ولا زالت إلى اليوم أفكار كارل ماركس تتجول في عقول الناس ، وهذا ما يظهر قوتها وبرهانها ، إلا أن بضعا من أفكاره التي تعد على أطراف الأصابع لم تعد تواكب العصر ، بسبب التطور الذي شهده العالم من الناحية الفكرية والسياسية والمادية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى