شخصيات غيرت مجرى التاريخ

ماوتسي تونغ الأب الروحي للصين الحديثة | الرجل العظيم أم المجرم الذي لا يرحم

ولد ماواتسي تونغ في 26 من ديسمبر سنة 1893م ، في قرية شاوشان بمقاطعة هونان الموجودة في الجنوب الأوسط للصين ، من عائلة ميسورة الحال نسبيا ، كانت عائلته من السكان الأصلين القدماء في مقاطعة هونان ، حيث كان أبوه ” ماو يشانج ” رجلا محافظا على التقاليد التي ورثها عن الأجداد ، وهذا ما تمرد عليه ماوتسي منذ طفولته ، عرف أبوه أيضا بالصرامة المفرطة ضد أبنائه ، حيث كان يقوم بتعنيفهم ويجعلهم يعملون طوال اليوم ؛ بالطبع بدون أجر أو مكافئة على الأقل ولا حتى معاملة كأي عامل أخر ، فقد كان يعطي لأبنائه أرزا حافا أما العمال فكانوا يأكلون الأرز بالبيض ، وهذا مضمون ما كتبه ماوتسي في مذكراته ” كان أبي ينظر لنا وكأننا عمال لديه وليس أبنائه ” .

هذا التعامل السيء الذي كان يتعرض له من طرف والده ، سيجعله يكره الرأسماليين المحبين للثروة والمال أكثر من القيم والانسان ، وبسبب تميز ماوتسي بحبه لقراءة الكتب ، فقد كان ينظر لنفسه أنه انسان مثقف وأفضل من غيره ، وهذا ما جعله يرفض العمل كموظف ، وقد اقتنع ماوتسي بالأفكار الماركسية بشكل قطعي بعد انتصار الشيوعيين في روسيا على القيصر ، ففي هذا الوقت بالضبط كانت الصين تعاني من عدة مشاكل داخلية ، على رأسها خسارة الصين مساحة كبيرة من أراضيها لصالح اليابان ، بعد معاهدة الصلح أو معاهدة فرساي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، في هذه الأثناء بدأ ماوتسي ينظم الاحتجاجات ضد النظام ، وهذا ما أكسبه شهرة نسبية داخل المجتمع .

طفولة ماوتسي وشبابه

دخل ماوتسي لمدرسة تقليدية صينية في 8 من عمره ، هربا من العمل في ضيعة أبيه ، ليلتحق فيما بعد بالمدرسة الأولية في 13 من عمره ،  اهتم خلالها ماوتسي بقراءة الكتب أكثر من مراجعة الدروس المدرسية ، تعرف على العديد من الشخصيات المهمة خلال قراءته ك جورج واشنتن ونابليون بونابارت ، كما اهتم بقراءة الكتب السياسية المناهضة للرأسمالية والاحتكار ، وبما أنه يتعرض إلى الاهانة من طرف والده الاقطاعي الرأسمالي ، فقد بدأ بمناهضة هذا الفكر وهو لايزال في صغر سنه . وفي سنة 1911م دخل ماوتسي إلى المدرسة العليا في عاصمة الاقليم تشانجشا ، في هذا الوقت كان الشعب ضد الحكم المطلق للإمبراطور ” بوئي ” ، بسبب ازدراء الأوضاع والتخلف الذي تعيشه الصين بالمقارنة مع الغرب ، وبسبب الضغط المتزايد اشتعلت ثورة في جنوب البلاد قادها الجيش ، لينضم ماواتسي إلى الثوار كجندي لمدة ستة شهور ، لكنه لم يدخل إلى الحرب نظرا لصغير سنه .

انتصرت الثورة على الامبراطور رغم مولات الشمال له ، وأعلنت الصين جمهورية في نفس العالم \”1911م\” ، بعد عودة ماوتسي من الجيش تأرجح رأيه بين دراسة القانون والتاريخ والأعمال ، لكنه قرر أخيرا الاهتمام بمجال التدريس ، وفي هذه الأثناء تأثر ماوتسي بأفكار \” جيانج كانج هو \” الاشتراكية . وفي سنة 1917م انتخب ماواتسي ليكون القائد لمجموعة الطلاب المتطوعين للدفاع عن الطلبة ، في هذا الوقت كانت الصين تشهد العديد من الاضطرابات ، ليتخرج ماوتسي من مدرسة المعلمين سنة 1918م ، لينتقل بعد ذلك ماوتسي إلى الجامعة في بكين ، وبسبب تأزم أوضاعه المالية اشتغل كموظف في مكتبة الجامعة لستة أشهر ، حيث استغل وضعه كموظف في المكتبة ليقرأ كتب “كارل ماركس ” و ” بيتر كروبوتكين ” .

صعود نجم ماوتسي تونغ

عاد ماوتسي من الجامعة ليحصل على وظيفة معلم في نشانجشا ، بعدما تعرف على عميد الكلية \” تشن تو هسيو \” وامين المكتبة \” لاي تا تشاو \” الذي أسس الحزب الشيوعي فيما بعد ، عرفت هذه الفترة بالاضطرابات في الصين ، بعدما استعمرت هونغ كونغ وشنغهاي من طرف الغرب ، لينضم ماوتسي إلى الحزب الشيوعي الصيني ، بعدما تأسس في مؤتمره الأول في سنة 1921م ، ليصبح سكرتيرا للحزب في مسقط رأسه في مقاطعة هونان ، هنا أصبح ماوتسي ينظم الاضرابات والاحتجاجات لصالح عمال المناجم في المقاطعة ؛ في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي سنة 1923م ، قرر الحزب الاندماج مع الحزب القومي الصيني ، تحت قيادة رئيس الحكومة \” صن يات سين \” .

توفي قائد الحزب القومي \” صن يات سين \” في مارس سنة 1925م ، ليتولى بعده \” كيانج كاي شيك \” والذي كان يكره الشيوعين بشدة ، قاد هذا الأخير حملة تطهير واسعة ضد الشيوعين بإعدامات متتالية ، كما قام بطرد الشيوعين من قيادة الحزب سنة 1927م ، هنا قرر الشيوعين بقيادة ماوتسي تونغ تسليح الفلاحين والعمال لمحاربة الحكومة القومية ، ومن هنا ظهر الجيش الأحمر الصيني على غرار الجيش الأحمر السوفياتي ، لكن الانتفاضة سرعان ما سحقتها الحكومة القومية ، ليحاصر ماوتسي هو جيشه سنة 1934م ، لكنه استطاع اختراق صفوف القومين ليهرب في الجبال 6000 ميل نحو الحدود الغربية ، هو ومئة ألف رجل وامرأة لكن لم يبقى منهم سوى عشرون ألف ، بعد وفاة أغلبهم اما جوعا أو بسبب الأمراض .

 بعد انتقال ماوتسي إلى الشمال الذي كان لايزال يخضع لسيطرة الشيوعين ، بدأ البعض من القيادات تحاول التخلص منه ، لكن في نهاية الأمر أدرك الجميع أن ماوتسي هو أهم عضو في الحزب ، وأكثر شخص يجذب حوله الفلاحين للانضمام إلى جبهات القتال ، وبفضل التعامل الجيد مع الفلاحين أصبح الشعب ينضم ويتعاطف مع الشيوعيين ، أكثر من القوميين الذين كانوا سيئوا السمعة .

ماوتسي التونغ الرئيس الفعلي للصين

في سنة 1936م أدرك الجميع أن ماوتسي هو أقوى شخص يمكنه قيادة الحزب الشيوعي بل والبلاد بالكامل ، لكن وبسبب تهديدات الغزوا المحتمل من طرف اليابان ، تحالف ماوتسي مع عدوه \” كيانج كاي شيك \” لمواجهة خطر الغزوا ، وبسبب المواجهة المستميتة التي دارت بين الحكومة القومية واليابان ضعفت قوتها ، وأصبح ماوتسي بقيادة الحزب الشيوعي أكثر قوة وترشيحا لقيادة البلاد ، حيث ازداد النفوذ الشيوعي في البلاد بانضمام مليون فرد إلى عضوية الحزب ، واستحواذه على مخلفات الحرب من الأسلحة والغنائم ، بالإضافة إلى التدخل السوفياتي لموجهة القوات اليابانية ، مستغلا بذلك ظروف القومين المنهمكين في الحرب ضد اليابان .

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبح الشيوعين أكثر قوة ونفوذا في البلاد ، مما جعل الحكومة القومية بقيادة الجنرال \” كيانج كاي شيك \” يهربون نحو تايوان ، بعد عام واحد من انسحاب اليابان دارت معارك طاحنة بين القومين والشيوعين ، ليحسم الصراع لشيوعيين سنة 1949م ، ليصبح بذلك ماوتسي تونغ هو الرئيس الفعلي جمهورية الصين في فاتح أكتوبر سنة 1949م ، والقائد العام للقوات الشعبية .

الجلاد

بعد وصول ماوتسي إلى قيادة السلطة ، قاد حملة تطهير واسعة ضد الثوار المعارضين لسلطته ، وبتزايد الثورات بدأ بتطبيق الابادة على كل المعارضين والمحتجين في بعض الحالات ، لتصل حصيلة القتلى تقريبا إلى ثمان مئة ألف أو أكثر ، ليقود حملة أخرى ضد ملاك الأراضي وهذا ما زاد من الضحايا ، حيث وصلت الضحايا بين 1947م – 1951م إلى أكثر من خمس ملايين قتيل ، وفي سنة 1950م قام ماوتسي بدعم كوريا الشمالية الشيوعية ، في حربها ضد كوريا الجنوبية المدعومة من الغرب على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، وهذا ما خلف الملايين من القتلى في كلى الجانبين .

كما زادت نسبة القتلى في بلاده بشكل كبير ، حيث وصلت إلى خمس مئة ألف قتيل في سنة واحدة من المثقفين والطلاب الجامعين فقط ، وأما المتظاهرين والمعارضين فقد كانوا يبادون دون ذكر الأرقام ، كما مات أكثر من 39 مليون نسمة ، بسبب خططه الفاشلة في ربط الزراعة بالصناعة ، وهذا ما اضطره إلى استراد القمح من الدول الغربية . وفي سنة 1966م قام ماوتسي بوضع مشروع الثورة الثقافية ، والتي أودت بملايين الناس تحت مظلة الصراع الطبقي ، وانهاء التواجد القومي في البلاد ، بالإضافة إلى كسر شوكة الثورة المضادة ؛ ليصل عدد ضحاياه منذ نشأته إلى وفاته إلى أكثر من 98 مليون نسمة ، وهذا ما يرشحه ليكون أكبر قاتل في التاريخ .

انجازات ماوتسي تونغ

يعتبر ماوتسي تونغ واحدا من أهم الشخصيات التي قامت ببناء الصين الحديثة ، في سنة 1953م قام ماوتسي بكتابة أول دستور للصين ، ليقوم ببناء الجامعات والمستشفيات وغيرها من النظم الأساسية للثورة المعرفية والتقدم ، ليقوم بإصلاحات كبيرة في النظام الزراعي ، حيث أنشأ التعاونيات الفلاحية وتحديث الأساليب الزراعية ، كما سارع إلى انشاء مشروع القنبلة النووية وغزوا الفضاء ، ليقوم في 1958م بقيادة ثورة صناعية ضخمة ، لتنافس في المستقبل القوة الصناعية الغربية ، لكنها فشلت فشلا ذريعا في أواسط الستينات ، ليرتفع نسبة المواليد بشكل مهول ، وهذا ما زاد أعداد السكان من 550 مليون نسمة في بداية تولي ماوتسي ، غلى أكثر من 900 مليون نسمة ، وهذا يعود إلى الثورة الزراعية والصحية التي شهدتها البلاد ، بالإضافة إلى تشجيع الآباء على الولادة .

وفاة ماوتسي تونغ

في سنة 1976م عان ماوتسي تونغ من العديد من الأزمات القلبية ، والتي أدت في النهاية إلى وفاته وهو في سن 82 من عمره ، تاركا ورائه بلادا ذات قوة بشرية واقتصادية رهيبة ، وهذا ما ساعد في التقدم الرهيب الذي تشهده الصين حاليا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى